حين تعرض شركة وظيفة لممثل مبيعات، غالبًا ما تكون العمولة واحدة من أكثر العناصر جاذبية في العرض فقد تقول مثلًا: «راتب ثابت + عمولات مجزية.» وتضع أمام الموظف رقمًا يبدو مغريًا جدًا. لكن السؤال الحقيقي ليس: كم تبلغ العمولة؟ بل هل يستطيع ممثل المبيعات أن يفهمها، ويحققها، ويثق بأنه سيحصل عليها؟
ومن هنا تحديدًا تبدأ المشكلة. بعض أصحاب الشركات ينظرون إلى العمولة باعتبارها مجرد طُعم؛ شيء يُكتب في عرض الوظيفة ليجعل الفرصة تبدو جذابة، ثم يبدأ التفكير لاحقًا: كيف نجعل الموظف يركض خلف العمولة، لكن لا ندفع له المبلغ الذي توقعه؟ وهذا التفكير قد يبدو ذكيًا من زاوية تقليل التكلفة، لكنه في الواقع قد يكون من أكثر الأخطاء تكلفة على المدى الطويل. --- عندما تتحول العمولة من حافز إلى مشكلة
خلال سنوات العمل في المبيعات، رأيت وعشت مواقف غريبة جدًا مرتبطة بالعمولات. المشكلة أحيانًا لا تكون في أن الشركة لا تريد دفع العمولة من البداية، بل في أن المسؤول يبدأ في استكثار المبلغ الذي سيحصل عليه ممثل المبيعات بعد أن حقق المستهدف الذي وضعته الشركة نفسها. ثم تبدأ الاختراعات. حين يصل الموظف إلى المستهدف، فيكتشف أن طريقة احتساب العمولة ليست كما كان يفهمها، فجأة تصبح العمولة محسوبة على صافي الربح بدل إجمالي المبيعات, أو يتم تقسيم المنتجات إلى فئات مختلفة، ولكل فئة نسبة مختلفة، أو يقال للبائع: «معظم مبيعاتك جاءت من عملاء قدامى أصلًا، وبالتالي أنت لست صاحب الفضل الكامل فيها.»، أو تظهر قاعدة جديدة مرتبطة بالمخزون القديم أو الموسم أو نوع العميل. المشكلة ليست في وجود قواعد واضحة للعمولة، المشكلة في أن القاعدة تظهر بعد أن يصبح الموظف مستحقًا. --- أخطر شيء يمكن أن تفعله الشركة بنظام عمولاته ليس أن تجعل العمولة منخفضة. بل أن تجعلها غير متوقعة. لأن موظف المبيعات يستطيع التعامل مع عمولة منخفضة إذا كانت واضحة ثم يقرر: هل هذا المقابل يستحق الجهد المطلوب بالنسبة له؟ لكن عندما تكون العمولة مغرية على الورق، ثم تتغير قواعدها عندما يقترب الموظف من استحقاقها، تبدأ مشكلة أكبر بكثير وهي فقدان الثقة. والثقة هنا ليست مسألة أخلاقية فقط بل إنها مسألة أداء أيضًا. --- ماذا يحدث عندما يفقد البائع ثقته في نظام العمولات؟
يبدأ البائع في إعادة حساب العلاقة بين الجهد والمقابل، ويبدأ يسأل نفسه: لماذا أتعب نفسي؟ ولماذا أبحث عن عميل جديد؟ ولماذا أضغط نفسي لتحقيق رقم أكبر إذا كنت لن أحصل على حقي كاملًا في النهاية؟ فما الفائدة؟ وهنا قد تحصل الشركة على أسوأ نسخة ممكنة من موظف المبيعات وهذه النسخة تكون على شكل موظف موجود لكن ليس لديه دافع حقيقي للبيع، فقط يحقق الحد الأدنى المطلوب ثم يتوقف عن مطاردة الفرص الإضافية، ويبدأ في توجيه طاقته إلى أشياء جانبية بدلًا من البحث عن المزيد من الإيرادات، وهذا يعني أن الشركة ربما وفرت مبلغًا من العمولات… لكنها خسرت إيرادات أكبر بكثير. --- مشكلة: عندما تصبح العمولة معقدة جدًا
هناك نوع آخر من الشركات لا يحاول التهرب من العمولة. بل يحاول بناء نظام شديد الدقة والتفصيل. وللأسف تكون النتيجة نظام لا يفهمه أحد. فيقال لممثل المبيعات: إذا حققت إجمالي مبيعات معينًا تحصل على نسبة معينة، لكن بشرط ألا تكون المبيعات من المنتج الفلاني لأن نسبته مختلفة، وإذا كان العميل من نوع معين تتغير النسبة، وإذا كانت المبيعات في موسم معين فهناك نسبة أخرى، وإذا بعت من المخزون القديم فهناك طريقة مختلفة، وهذا المنتج تحسب عمولته من صافي الربح، والمنتج الآخر تحسب عمولته من إجمالي المبيعات. وفي النهاية يقف ممثل المبيعات ويسأل: طيب… أنا أصلًا ماذا أبيع؟ وبكم يجب أن أبيع؟ وإذا بعت بهذا الرقم، على ماذا سأحصل؟ وهنا تصبح المفارقة واضحة وهي أن العمولة التي يفترض أن تساعد البائع على معرفة أين يركز جهده، أصبحت هي نفسها عائقًا أمام البيع. --- العمولة ليست مجرد نسبة وهنا نقطة مهمة جدًا وهي أن نظام العمولة ليس مجرد معادلة حسابية بين: المبيعات × النسبة = العمولة. العمولة في الحقيقة رسالة توجه سلوك فريق المبيعات، فعندما تقول لممثل المبيعات:(إذا حققت هذا الرقم ستحصل على هذه النسبة) فأنت تقول له ضمنيًا: هذا هو السلوك والنتيجة التي نريد منك الوصول إليها، وهذا هو المقابل الذي سنعطيك إياه عندما تحققها.
ولهذا فإن نظام العمولة الجيد يجب أن يحقق ثلاث وظائف: 1. يوجه السلوك. 2. يحفز النتيجة. 3. يبني الثقة بين الشركة والبائع. وإذا فشل النظام في واحدة من هذه الوظائف، تبدأ مشكلات الأداء بالظهور. --- 3 قواعد أساسية لبناء نظام عمولات فعال 1. أن تكون العمولة قابلة للتحقيق..
لا تضع رقمًا من خيالك ثم تقول: إذا حققه الموظف سأعطيه عمولة مغرية. وأنت تعرف أصلًا أن تحقيق هذا الرقم شبه مستحيل. المستهدف يجب أن يكون مبنيًا على واقع الشركة من عدة نواحي مثل: - حجم السوق. - حجم الفرص المتاحة. - أداء الفترة السابقة. - عدد العملاء المحتملين. - قدرة الفريق. - متوسط قيمة الصفقة. - دورة البيع. - الطاقة التشغيلية للشركة. لأنك إذا وضعت هدفًا غير واقعي، فأنت لا تبني نظام تحفيز بل تبني نظام إحباط. --- 2. أن تكون العمولة بسيطة يجب أن يستطيع ممثل المبيعات أن يعرف تقريبًا: إذا بعت بـ100 ألف، على كم سأحصل؟ وإذا بعت بـ150 ألف، على كم سأحصل؟ وإذا تجاوزت المستهدف، ماذا سيحدث؟ إذا كان يحتاج في كل مرة إلى آلة حاسبة وملف إكسل ومحاسب الشركة حتى يعرف قيمة عمولته، فهناك مشكلة في تصميم النظام. البساطة لا تعني أن تكون العمولة ساذجة، يمكن أن يكون لديك نظام متدرج ومحفز، لكن يجب أن يكون مفهومًا للبائع. --- 3. أن تكون العمولة محفزة فعلًا إذا كان الوصول إلى المستهدف يحتاج جهدًا مضاعفًا، ثم تكون العمولة في النهاية مبلغًا لا يشعر به الموظف، فما الذي يفترض أن يحفزه؟ الحافز يجب أن يكون مرتبطًا بشكل منطقي بالجهد والنتيجة، وكلما ارتفع أداء البائع بشكل واضح، يجب أن يشعر أن النظام يكافئ هذا الأداء لأن الرسالة التي يجب أن تصل إليه هي: كلما صنعت قيمة أكبر للشركة، زادت القيمة التي تحصل عليها أنت أيضًا. وهذه من أهم الأسس التي تجعل نظام العمولة قادرًا على توجيه السلوك بدل مجرد تسجيل المبيعات. --- وماذا عن العملاء القدامى؟ هذه من أكثر النقاط التي تحتاج إلى وضوح إذا كانت الشركة تريد أن تفرق بين: - عميل جديد. - عميل حالي. - إعادة شراء. - توسعة حساب. - إحالة. فلا مشكلة.. لكن يجب أن يعرف البائع هذه القواعد قبل أن يبدأ العمل وقبل أن يبدأ البيع. المشكلة ليست في اختلاف النسب بل في تغيير قواعد اللعبة بعد انتهاء المباراة. --- وماذا عن اختلاف المنتجات؟ قد تختلف نسب العمولة حسب: - هامش الربح. - صعوبة بيع المنتج. - استراتيجية الشركة. - الأولوية التجارية. - تكلفة الاستحواذ. - دورة البيع. لكن يجب أن يكون ذلك واضحًا ومعلنًا مسبقًا، بل الأفضل في مثل هذه الحالات أن يعرف البائع لماذا تختلف النسبة، لأن فهم المنطق وراء النظام يساعده على فهم أين يجب أن يركز جهده. --- نظام العمولة الجيد لا يدفع البائع إلى بيع أي شيء وهذه نقطة أعمق. فإذا كان هدف الشركة هو زيادة الإيرادات فقط، قد يؤدي نظام العمولة إلى سلوكيات غير مرغوبة مثل أن يبدأ البائع في بيع المنتجات الأسهل فقط أو الخصومات الأكبر أو الصفقات الأسرع أو العملاء الأقل قيمة على المدى الطويل. لذلك يجب ألا تسأل فقط كم سيدفع نظام العمولة للبائع؟ بل اسأل: ما السلوك الذي سيدفع النظام البائع للقيام به؟ وهنا تبدأ عملية تصميم نظام المبيعات بشكل احترافي. --- قبل أن تبني نظام عمولات جديدًا، اسأل هذه الأسئلة هل نريد زيادة عدد العملاء أم قيمة الصفقات؟ هل نريد التركيز على العملاء الجدد أم تنمية العملاء الحاليين؟ هل نريد زيادة الإيرادات أم هامش الربح؟ هل نريد سرعة البيع أم جودة العملاء؟ هل نريد تحقيق رقم شهري أم بناء إيرادات متكررة؟ هل يستطيع البائع فهم النظام خلال دقائق؟ وهل يستطيع حساب استحقاقه بنفسه؟ إذا لم تكن الإجابات واضحة، فمن المحتمل أن المشكلة ليست في البائع بل في النظام نفسه. --- الخلاصة العمولة ليست بندًا تجميليًا تضعه الشركة في عرض الوظيفة، وليست رقمًا تحاول الشركة تقليله كلما اقترب موعد صرفه، بل هي (رسالة منك إلى فريق المبيعات حول السلوك والنتيجة التي تريد مكافأتها). ولهذا إذا كانت الرسالة: - غير واضحة، - أو غير قابلة للتحقيق، - أو معقدة، - أو غير عادلة، - أو تتغير بعد تحقيق النتائج، فلا تستغرب إذا لم تحصل على السلوك الذي كنت تتوقعه. فأحيانًا عندما تقول الشركة (أن فريق المبيعات غير محفَّز )قبل لوم الفريق يجب أن تسأل: هل نظام التحفيز نفسه يعطيهم أسبابًا كثيرة لعدم التحفيز؟ لأن المشكلة أحيانًا ليست في أن فريق المبيعات لا يريد أن يبيع بل أن النظام الذي صممته الشركة للبيع، لا يعطيه سببًا كافيًا ليبيع أكثر. --- هل نظام العمولات لديك يحفز فريق المبيعات فعلًا؟ إذا كنت مسؤولًا عن فريق مبيعات، جرّب أن تطلب من أحد أعضاء الفريق أن يجيب دون الرجوع إلى أي ملف: «إذا حققت 100% من المستهدف هذا الشهر، كم ستكون عمولتي بالضبط؟» ثم اسأله: «وماذا يحدث إذا حققت 120%؟» إذا احتاج إلى البحث أو الحساب أو سؤال شخص آخر… فهذه إشارة تستحق المراجعة. --- كلوزر | ما وراء البيع نحن نهتم بما يحدث وراء البيع: دريب فرق البيع .. وبناء أنظمة المبيعات. إذا كنت تعمل على تطوير فريق المبيعات أو بناء نظام مبيعات أكثر وضوحًا وكفاءة، تابع كلوزر | ما وراء البيع للاطلاع على الأدلة والأدوات والمحتوى العملي القادم.