هناك اعتقاد شائع عند كثير من أصحاب الشركات ومديري المبيعات بأن إدارة الأشخاص الذين يعملون في البيع عملية واضحة ومحددة، لها خطوات معروفة يمكن تنفيذها ثم متابعة نتائجها، تمامًا كما نتعامل مع بناء نظام المبيعات.
توظف الشخص، تدربه، تعطيه الأهداف، تشرح له طريقة البيع، تتابع أرقامه، ثم تعالج نقاط ضعفه، ومع الوقت يصبح لديك فريق مبيعات جيد.
المشكلة أن هذا الكلام يبدو منطقيًا جدًا على الورق، لكنه في الواقع لا يعمل بهذه البساطة.
خلال السنوات التي عملت فيها في المبيعات ثم انتقلت إلى قيادة فرق وتدريبها، اكتشفت أن بناء نظام المبيعات وبناء الأشخاص الذين سيعملون داخل هذا النظام شيئان مختلفان تمامًا، حتى وإن كان من المفترض أن يخدما الهدف نفسه.
عندما تبني نظام مبيعات، تستطيع أن تحدد المراحل والإجراءات والمسؤوليات ومؤشرات الأداء، ثم تختبر النظام وتكتشف أين توجد المشكلة وتعدلها.
أما عندما تتعامل مع فريق مبيعات، فأنت لا تبدأ من الصفر.
كل موظف يأتي معه طريقة تفكير معينة، وتجارب سابقة، وقناعات عن البيع، وعادات اكتسبها من مدراء سابقين أو من السوق أو حتى من زملائه. وقد يكون قضى سنوات وهو يبيع بطريقة معينة وحقق منها نتائج، وبالتالي أصبح مقتنعًا أن هذه هي الطريقة الصحيحة للبيع.
وهنا تبدأ الصعوبة.
لأنك لا تحاول فقط أن تعلمه طريقة جديدة، وإنما تحاول أحيانًا أن تقنعه بأن الطريقة التي اعتاد عليها طوال السنوات الماضية ليست بالضرورة الطريقة الأفضل.
وهذا فرق كبير.
أتذكر مواقف كثيرة كان من السهل فيها أن تقول عن الموظف: "هذا الشخص يحتاج تدريب"، لكن عندما تبدأ في فهم المشكلة تجد أن التدريب ليس هو الحل الوحيد.
قد يكون الموظف يعرف ماذا يفعل لكنه لا يطبقه.
وقد يكون لا يعرف أصلًا ماذا يفعل.
وقد يكون يعرف الطريقة الصحيحة لكنه يعمل داخل نظام يدفعه إلى التصرف بعكسها.
وقد يكون وصل إلى مرحلة من الإرهاق الوظيفي جعلته غير قادر على استقبال أي تدريب جديد.
وقد يكون ببساطة قد تعود على طريقة معينة في البيع لدرجة أن تغييرها أصبح بالنسبة له أصعب من تعلم مهارة جديدة.
لهذا أنا لا أرى أن تدريب فرق البيع يعني أن تجمع الموظفين في قاعة وتشرح لهم مهارات البيع ثم تعتبر أنك أنجزت مهمة التدريب.
التدريب الحقيقي يبدأ عندما تعرف ما الذي يحتاج هذا الشخص إلى تغييره فعلًا، وليس فقط ما الذي تريد أنت أن تعلمه له.
وهنا تظهر نقطة أعتبرها أهم من موضوع التدريب نفسه، وهي التوقيت.
في بناء نظام المبيعات، قد يكون لديك مساحة معينة للتأخير. قد تحتاج إلى وقت لتجربة النظام، أو تعديل بعض المراحل، أو اكتشاف الأخطاء، وهذا التأخير قد يكون مزعجًا لكنه في بعض الحالات قابل للاحتواء.
أما بناء الأشخاص فلا أعتقد أن لديه المساحة نفسها.
لأن الموظف لا يتوقف عن التعلم أثناء انتظارك.
هو يعمل كل يوم، ويتعامل مع العملاء كل يوم، ويكرر نفس التصرفات كل يوم، وبالتالي فإن كل يوم يمر بطريقة خاطئة قد يتحول إلى عادة، وكل عادة تتكرر تبدأ في التحول إلى قناعة.
وهنا قد تصبح المشكلة بعد فترة أكبر بكثير مما كانت عليه في البداية.
موظف كان يحتاج في البداية إلى توجيه بسيط، قد تحتاج بعد أشهر إلى تغيير سلوك متجذر لديه.
وفريق كان يمكن أن يتقبل طريقة جديدة للبيع بسهولة، قد يصبح بعد فترة مقتنعًا بأن الطريقة الحالية هي التي تحقق النتائج، خصوصًا إذا كانت تحقق لهم بعض المبيعات فعلًا.
وهذا من أكثر الأمور التي تجعلني أعتقد أن تأجيل بناء الفريق إلى ما بعد بناء النظام ليس دائمًا قرارًا صحيحًا.
لأنك قد تنتهي من بناء النظام الذي تريده، ثم تكتشف أن الأشخاص الذين يفترض أن يطبقوه أصبحوا هم العقبة أمامه.
والأصعب من ذلك عندما يكون الفريق قد وصل إلى مرحلة من التشتيت أو الاحتراق الوظيفي.
في هذه المرحلة لا يكفي أن تقول له: "لدينا الآن طريقة جديدة للبيع".
هو قد لا يكون لديه استعداد نفسي أصلًا لتجربة طريقة جديدة.
وقد يكون سمع خلال السنوات الماضية الكثير من التعليمات المتناقضة، وكل مدير جاء بطريقة، وكل مدرب جاء بأسلوب، وكل فترة كان هناك هدف جديد، ثم في النهاية أصبح الموظف يتعامل مع كل تغيير جديد على أنه شيء مؤقت سينتهي بعد فترة.
وهنا لا أعتقد أن المشكلة أصبحت مشكلة مهارة بيعية فقط.
أصبحت مشكلة ثقة، وسلوك، وبيئة عمل، وإدارة.
ولهذا عندما أتحدث عن قيادة وتدريب فرق البيع فأنا لا أقصد التدريب بمعناه التقليدي فقط.
أنا أقصد أن تفهم الفريق أولًا، وتفهم الأشخاص الموجودين فيه، وتعرف كيف يفكرون، وكيف يبيعون، وما الذي تعودوا عليه، وما الذي يمنعهم من تطبيق الطريقة الصحيحة، ثم تبدأ في بناء المهارات والسلوك والنظام الذي يجعل هذه المهارات قابلة للتطبيق فعلًا.
وهنا أيضًا أعتقد أن هناك خطأ شائعًا في التعامل مع ضعف نتائج فريق المبيعات.
تنخفض المبيعات، فتقول الإدارة: "الفريق يحتاج تدريبًا".
لكن هل كل انخفاض في المبيعات سببه نقص في مهارة الموظف؟
أحيانًا نعم.
لكن أحيانًا المشكلة في المنتج، أو التسعير، أو طريقة توزيع العملاء، أو نظام المتابعة، أو الحوافز، أو المدير نفسه، أو عدم وضوح العملية البيعية.
وأحيانًا يكون الموظف جيدًا، لكن النظام الذي يعمل داخله لا يسمح له بأن يكون جيدًا.
وهذا تحديدًا أحد الأسباب التي تجعلني أفرق بين تدريب الفريق وقيادته.
التدريب يمكن أن يرفع مهارة الموظف، لكن القيادة هي التي تحدد البيئة التي سيستخدم فيها هذه المهارة.
يمكنك أن تدرب الموظف على عدم إعطاء الخصم بسهولة، ثم تضع له نظام عمولات يجعله مستعدًا للتنازل عن أي شيء حتى يغلق الصفقة.
يمكنك أن تعلمه كيف يؤهل العميل، ثم تطلب منه في الوقت نفسه أن يتعامل مع كل شخص يدخل عليك باعتباره عميلًا يجب إغلاقه.
يمكنك أن تعلمه البيع الاستشاري، ثم تحاسبه يوميًا فقط على عدد الصفقات التي أغلقها.
في هذه الحالة المشكلة ليست أن الموظف لم يتعلم.
المشكلة أن النظام الإداري نفسه يقول له شيئًا مختلفًا عما قلته في التدريب.
وهنا أعود إلى الفكرة الأساسية:
بناء نظام المبيعات وبناء فريق المبيعات يجب أن يسيرا معًا.
لا أعتقد أن من المنطقي أن تقول: سنبني النظام أولًا، وبعد أن ننتهي سنهتم بالأشخاص.
لأن النظام في النهاية لن يعمل بنفسه.
هناك أشخاص سيطبقونه، وسيحتاج هؤلاء الأشخاص إلى أن يفهموه، ويقتنعوا به، ويتدربوا عليه، ويعرفوا متى يستخدمون كل مرحلة، وكيف يتعاملون مع الحالات المختلفة التي لا تظهر في المستندات والـ Process.
وهذا هو الفرق بين أن يكون لديك نظام مبيعات مكتوب وأن يكون لديك فريق قادر على تشغيل نظام المبيعات.
ومن هنا أصبحت أتعامل مع تدريب وقيادة فرق البيع باعتبارها جزءًا من بناء المبيعات نفسها، وليست مرحلة تأتي بعدها.
لأن النظام يمكن أن تنتظر عليه قليلًا حتى تعدله.
أما الإنسان، ففي كل يوم تؤجل فيه بناءه، هو أيضًا يتغير.
وقد لا يتغير بالطريقة التي كنت تتمنى.